15 دجنبر: اليوم العالمي للشاي هي مناسبة للحديث عن تاريخه بالمغرب
الشاي كان قد حرّمه الفقهاء المغاربة؛ لأنّهم "اعتبروا" جلسة الشاي في مستواها الطقوسي كانت امتداداً لجلسات الخمر، ولأنّه يشبه الخمر في هيئته وآنيته، وأنّه يشغل الناس عن العبادة، ويضر بالأجسام، وآخرون أكدّوا أنّه حلال، ودعواْ إلى الاستمتاع بالمشروب الجديد كبديل عن الخمر

هلا بريس
يحتفل العالم في منتصف شهر دجنبر من كلّ سنة باليوم العالمي للشاي، فهو مشروب ساخن شهير تحتسيه العديد من الشعوب عبر العالم؛ بسبب دوره في تحسين مزاجية الإنسان خصوصا بعد الأكلات الدسمة وغيرها.
ففي المغرب مثلاً، فالشاي يحتلّ مكانة مهمة في المائدة المغربية وعند كلّ فئات المجتمع من أغنياء وفقراء وغيرهم، ويعتبر جزءًا من الطقوس اليومية التي ترافق المغاربة على امتداد اليوم بأكمله.
ويخبرنا (هان صابيري) في كتابه “الشاي تاريخ عالمي” بأنّ التجار البريطانيون في الشرق الأقصى جلبوا الشاي إلى المغرب في القرن 19م عندما أجْبرتهم حرب القرم على إيجاد أسواق جديدة لبضائعهم، وصار المغاربة الذين كانوا يشربون منقوع الأعشاب لعدّة قرون يشربون الشاي بحماس ولكنهم أجْروا عليه بعض التعديلات وصنعواْ منقوعهم المنعش من الشاي الأخضر بنكهة النعناع الطازج والكثير من السكر . وجاء في ذات الكتاب بأنّ الشاي الأخضر المنقوع بالنعناع، انتشر من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا ومصر، إلى قبائل البربر والطوارق البدوية في الصحراء.
ويتطرق كتاب “من الشاي إلى الأتاي… العادة والتاريخ” للمؤرخين المغربيين عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي، إلى أنّ المغاربة تعرّفوا على الشاي عن طريق الإنكليز، إذ كان يُستخدم في البداية كدواء، قبل أن يعتمد كمشروب يومي، ويفيدان بأن أول من شربه هو زيدان بن إسماعيل، عمّ السلطان العلوي محمد بن عبد الله، وذلك بعد إصابته بالمرض؛ نتيجة إفراطه في تناول الخمر، فتمكن طبيب من مداواته باستخدام مشروب “الأتاي”.
عرف المشروب الجديد انتشاراً تدريجياً في أواسط القرن التاسع عشر في الوسط الحضري، ثم توسع انتشاره ليمتد إلى البوادي المجاورة للحواضر، وفي الفترة بين1880م إلى 1892م، شمل مختلف البوادي المغربية، لكن اللافت حسب المؤرخين والباحثين أن الشاي لم يصبح في متناول عامة الناس إلاّ في أربعينيات القرن العشرين.
وتشير كتب التاريخ إلى ازدياد اهتمام المغاربة بالشاي والسكر مع دخول البلاد تحت الحماية الفرنسية، لكن تزايد أهمية الشاي، والإقبال المتزايد عليه في المغرب، فتح باب السجال حول التحريم والإباحة، خاصّة أنّه ليس مجرد مشروب عادي، بل هو منبّه، ويرتبط تناوله بطقوس خاصة، وهناك مؤشرات تدل على أن جلسة الشاي كانت في مستواها الطقوسي امتدادا لجلسات الخمر.
ولهذا السبب ظلّت بعض الشخصيات الدينية تعارض استهلاكه؛ بسبب تأثيره السلبي على الإمكانيات المالية للأفراد، أو لكونه مادة غير طاهرة بالمفهوم الشرعي، كما ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم الشاي؛ لأنّه يشبه الخمر في هيئته وآنيته، وأنه يشغل الناس عن العبادة، ويضر بالأجسام، فيما خالفهم آخرون أكدوا أنّه حلال، ودعواْ إلى الاستمتاع بالمشروب الجديد كبديل عن الخمر
وظهر كتاب بعنوان “الآي في تحريم الآتاي”، وورد عن الفقيه محمد البيشروي أنه نبّه من شرب الأتاي لأنّه يشبه الخمر، كما أن قاضي مكناس، أحمد بن عبد الملك العلوي، كان لا يقبل شهادة شارب الشاي. وحذّر منه الفقيه الشنقيطي، أحمد حامد بن محمد بن مختار الله، وقال في إحدى فتاويه إنه نادم على شربه، وإنه حرام، واعتبره من باب الهوى والنفس والشيطان، داعياً إلى تركه لصون المال وراحة النفس، ووصف الإقبال عليه بأنه “يؤدي إلى ضياع المال، وضياع المال حرام، وما يؤدي إلى الحرام حرام”، كما أنه يشغل الناس عن الصلاة حتى يفوت وقتها المختار.
أمّا الفقيه محمد حبيب الله بن مايابي الجكني، فقد اعتبر شرب الشاي حلال، وأضاف: “يتضح أن الهيئة لا تكون علة في تحريمه، كما أن شربه لا يسكر، وليس فيه إضاعة للمال”.



