عندما غضب العاهل المغربي الملك محمد السادس من الإدارة العمومية والأحزاب السياسية
وخاطبهم بقوله «كفى، واتقوا الله في وطنكم... إمّا أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإمّا أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون» وعرّى عن ممارسات بعض المنتخبين، وقال «بأنّها تدفع عددا من المواطنين وخاصة الشباب؛ للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات؛ لأنهم بكلّ بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأنّ بعض الفاعلين أفسدواْ السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل»

هلا بريس
تحلّ في هذا اليوم (الثلاثاء) 29 يوليوز 2025م الذكرى الثامنة للخطاب الملكي الذي كان قد وجّهه جلالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى 18 لتربعه على عرش المملكة المغربية، بتاريخ 29 يوليوز من سنة 2017م
ووجّه العاهل المغربي في هذا الخطاب انتقادات لاذعة للإدارة والأحزاب السياسية ؛ بسبب ما “اعتبره” بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتّى أصبح من المخجل أن يقال أنّها تقع في مغرب اليوم، بالرغم ممّا يحظى به المغرب من مصداقية على الصعيد العالمي ومن تقدير شركائه وثقتهم فيه.
ويقول جلالة الملك في ذات الخطاب «فإذا كنّا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة، فإنّ برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا ، وتبقى دون طموحنا.
وأرجع ذلك بالأساس، إلى ضعف العمل المشترك وغياب البعد الوطني والإستراتيجي والتنافر بدل التناسق والالتقائية ، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس.
وأضاف جلالته « وتزداد هذه المفارقات حدّة ، بين القطاع الخاص، الذي يتميز بالنجاعة والتنافسية، بفضل نموذج التسيير، القائم على آليات المتابعة والمراقبة والتحفيز، وبين القطاع العام وخصوصا الإدارة العمومية، التي تعاني من ضعف الحكامة ، ومن قلة المردودية»
فالقطاع الخاص يجلب أفضل الأطر المكونة في بلادنا والتي تساهم اليوم في تسيير أكبر الشركات الدولية بالمغرب، والمقاولات الصغرى والمتوسطة الوطنية أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم ولا تحركهم دائما روح المسؤولية.، بل إنّ منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي، بحسب مضمون الخطاب الملكي.
وطالب العاهل المغربي من العامل والقائد والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس. ولفت جلالة الملك الانتباه إلى مفارقة بقوله «فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أمّا عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه»
وأمام هذا الوضع، يقول العاهل المغربي: «فمن حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟.
فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، يقول جلالة الملك « تدفع عددا من المواطنين ، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات؛ لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل»
ويتساءل جلالته، إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول:« كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون»
وعبّر جلالة الملك عن استغرابه عندما قال « أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول ، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بأنّه ليس له ضمير ،ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله، والوطن، والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟
وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة»
وأكد جلالة الملك في ذات الخطاب بقوله: « إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية.
أمّا عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحلّ مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها وهذا شيء غير مقبول، من هيآت مهمتها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم»
وبخصوص تدبير الشأن يقول العاهل المغربي: «ينبغي أن يظل بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة، التي تسيئ للعمل السياسي.
إلاّ أنّنا لاحظنا تفضيل أغلب الفاعلين، لمنطق الربح والخسارة؛ للحفاظ على رصيدهم السياسي، أو تعزيزه على حساب الوطن، وتفاقم الأوضاع. وعلى كلّ مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد، وعوض أن يبرر عجزه بترديد أسطوانة “يمنعونني من القيام بعملي”، فالأجدر به أن يقدم استقالته، التي لا يمنعه منها أحد.
واختتم جلالة الملك خطابه بقوله «المغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، وفوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية» مضيفاً «إنّنا نستطيع أن نضع أنجع نموذج تنموي، وأحسن المخططات والاستراتيجيات إلا أنّه بدون تغيير العقليات وبدون توفر الإدارة على أفضل الأطر وبدون اختيار الأحزاب السياسية لأحسن النخب المؤهلة؛ لتدبير الشأن العام وفي غياب روح المسؤولية والالتزام الوطني، فإنّنا لن نحقق ما ننشده لجميع المغاربة، من عيش حرّ كريم.



