ذكرى انتفاضة 23 مارس 1965م بسبب مذكرة لوزارة التعليم بالمغرب
مذكرة تنص على طرد التلاميذ من المدارس والثانويات وحرمانهم من اجتياز امتحان شهادة الباكالوريا، حيث اتخذت إجراءات تقضي بأن يطرد من المؤسسات التعليمية التلاميذ البالغون من العمر 15 سنة من السنة الأولى والبالغون من العمر 16 سنة من السنة الثانية والبالغون 17 سنة من السنة الثالثة إعدادي

هلابريسما
تحلّ في هذا اليوم الذكرى الواحدة والستون على أحداث 23 مارس من سنة 1965م التي سال فيها دم البيضاويين بعد انتفاضة شعبية للتلاميذ من الدار البيضاء، احتجاجا على صدور مذكرة وزارية، في 19 فبراير 1965م لوزير التعليم، يوسف بلعباس، تنص على طرد التلاميذ من المدارس والثانويات وحرمانهم من اجتياز امتحان شهادة الباكالوريا، حيث اتخذت إجراءات تقضي بأن يطرد من المؤسسات التعليمية التلاميذ البالغون من العمر 15 سنة من السنة الأولى والبالغون من العمر 16 سنة من السنة الثانية والبالغون 17 سنة من السنة الثالثة إعدادي، ما يعني أن التلاميذ الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم الابتدائي أو الثانوي في السن المحدد لظروف ما، أصبحوا مهددين بالطرد. وانتقلت عدوى هذا الإضراب إلى عدّة مدن مغربية مثل الرباط وفاس، وبني ملال، وتازة، وآسفي، وسطات، وخريبكة، ومراكش.
وتطرق المصطفى المصدوقي في كتابه انتفاضة 23 مارس 1965م: دلالتها وانعكاساتها واعتبر سياقها التاريخي بانه كانت وثيقة الارتباط بمختلف الأزمات والمشكلات التي واجهت المجتمع، مبرزا بأنّها نتيجة موضوعية لسلسة من الإخفاقات و الصراعات السياسية التي بصمت علاقة القصر بأحزاب المعارضة و جيش التحرير.
وأبرز الكتاب إلى أنّ أسباب الاحتقان الاجتماعي كانت كثيرة ولم تكن تنتظر سوى الشرارة التي أشعلت الانتفاضة. ولم يكن العامل المباشر لتفجير الوضع سوى مذكرة وزير التربية الوطنية يوسف بلعباس التي صدرت يوم 9 فبراير 1965م. ولفت الكتاب الانتباه للإسقاط التدريجي لحكومة عبد الله إبراهيم، بالرغم من اصلاحاتها التي كانت غاية في الجدة لكنها قوبلت باستياء شديد من أوساط رجال الأعمال الفرنسيين والمعمرين وعملاء هؤلاء والأغنياء الاستقلاليين وأجمعوا على محاربة هذه الحكومة. فبعضٌ ممّن كتبوا عن مغرب بعد الاستقلال قالوا إنّ الاستقلاليين حاربواْ حكومة عبد الله إبراهيم على جميع الجبهات للإطاحة بها.
وأشار في ذات الصدد كتاب “الخفايا السرية في المغرب المستقل” إلى أنّه في 30 دجنبر1959م وأثناء زيارة وفود حزب الاستقلال إلى القصر الملكي كان زعماؤهم يطالبون بالحكم وينددون بعمل إبراهيم ورفقائه في الحكومة الهادف حسب نظرهم إلى تحضير ثورة لا يمكن للمغرب أن يتحملها ودليلهم على ذلك أن عبد الرحيم بوعبيد المكلف بالاقتصاد الوطني كان يقوم بإنشاء بصفة غير إرادية “طبقة بروليتارية” قوية عبر سياسته التصنيعية وذلك بمساعدة زميله المعطي بوعبيد المسؤول عن الشغل و الشؤون الاجتماعية الذي لا يتوانى في تحسين أجور العمال.
وتحدث كتاب المصطفى المصدوقي عن الإجهاز الذي تعرّض له مخطط حكومة عبد الله إبراهيم؛ بهدف تنمية الفلاحة على حساب الصناعة، فأعطيت الأسبقية في التخطيط المغير إلى الحاجيات الفلاحية في الوقت الذي كانت فيه حكومة إبراهيم تنوي بناء صناعة ثقيلة. وأدّى ذلك إلى توسيع قاعدة الملاكين العقاريين الكبار وحرمان الفلاحين من حقهم في الأرض وتفقير العديد منهم وانتزاعهم من بيئتهم ورميهم إلى ضواحي المدن.
وتحدث ذات الكتاب عن دستور 1962م الذي لم يكن محل ترحيب المعارضة الاتحادية التي قاطعت الاستفتاء عليه ووصفته في بلاغ لها ب«العملية المنافية للديمقراطية و شكل من أشكال الاختلاس السياسي» و أنه دستور «وضع لتقنين نظام الحكم الفردي المطلق».
ويقول المؤرخ الفرنسي “غوي مارتيني” الذي كان يعمل أستاذا بالدار البيضاء «صدرت مذكرة عن وزير التربية الوطنية في9 فبراير 1965م كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل هذه الوقائع الدامية(…) و الغرض من المذكرة تشجيع التعليم التقني و تخريج تقنيين في خدمة القطاع الصناعي عوض تخريج المحامين و الأطباء».
أمّا الأستاذ محمد المحجوبي فيقول «في صبيحة يوم 22 مارس،تجمعنا بالملعب الكبير لثانوية محمد الخامس، إذ حضر حوالي 20 ألفا من التلاميذ من مختلف ثانويات الدار البيضاء(محمد الخامس،مولاي عبد الله،فاطمة الزهراء لحلو،شوقي الخنساء،الخوارزمي..) و كان التنظيم رائعا و محكما. كنا نرفع شعار المطالبة بإلغاء قرار بلعباس ،بل أكثر من ذلك،كنا قررنا أن تكون المسيرة صامتة،منظمة في صفوف متوالية يتكون كل صف من 8 تلاميذ،مع حزام أمني تنظيمي يرافق المسيرة و التواصل يتم بين مقدمة المسيرة و باقي أطرافها من خلال تلاميذ ينتقلون عبر الدراجات،و أذكر أن مقدمة المسيرة كانت قد بدأت تقترب من مقر مندوبية التعيلم بشارع الزرقطوني فيما ملعب ثانوية محمد الخامس لا يزال ممتلئا بجموع التلاميذ.
و كان الهدف أن تسجل المسيرة الاحتجاج و بعد ذلك تتفرق ويمكن للمرء أن يشهد أن التلاميذ قد كانوا منضبطين و لم يحصل أيّ خلل، وبعد تدخل قوات الأمن بعنف لتفريق المسيرة أدّى ذلك إلى تفرقها لتظاهرات مستقلة بعضها عن بعض و ذات طابع عفوي و بذلك يصعب ضبطها إذ إن المنظمين أنفسهم قد أصبحوا مشتتين…و امتد ذلك إلى الأحياء حيث التحق شباب آخرون و جموع من المواطنين بهذه المظاهرات»
وفي هذا الصدد يقول الصحافي حسن العلوي «بعد أحداث مارس 1965م سيعرف المغرب من جديد لحظة انفراج سياسي، كان من الممكن أن تنتج مغربا آخر أكثر تطورا في ظل ديمقراطية واضحة الملامح متينة الركائز» ثم يضيف: «أطلق سراح السجناء و كل المحكوم عليهم وصدر عليهم عفو شامل حتّى على المحكوم عليهم غيابيا، وظن الكثيرون أن الغمة قد انفرجت».
مضيفا بأنّ :«كلّ ذلك تبخر فجأة بعد اختطاف الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965م هذه الضربة الغادرة قضت على كلّ الآمال وعادت بالمغرب من جديد إلى نفس الظروف و الشروط التي كان يعيشها قبل مارس 1965م،إن لم أقل أبشع و أفظع. وشهران بعد أحداث مارس سيعلن الملك الراحل عن قراره بالإعلان عن حالة الاستثناء وحلّ البرلمان، مبرراً ذلك بمناقشاته العقيمة التي كانت ستنال من الديمقراطية المغربية «..و بما نعتز به من كرامة و فكر خلاق».



